عبد الملك الجويني

210

الشامل في أصول الدين

الاستعمال ، ولم يذيعوه في مجاري الكلام . ويدل عليه قولهم : فقير ، فإنه دليل على ترتبه على فقر . ومهما استبان استعمال الفعل ثلاثيا من الجسم ، فلا منع في استعمال الأفعال إذا لم يكن في الأصل مختصا بالخلق اللازمة والألوان . ثم نقول : إن ناقش مناقش في الأجسم ، فلا مناقشة في الجسم ، ولا شك أن المراد به معنى المبالغة . ثم تلك المبالغة المرادة باللفظة لا ترجع إلا إلى كثرة الأجزاء أو تألفها ، وغرضنا يستتب ببناء واحد . ومما اعترض به الجهلة على ما قدمناه أن قالوا : بناء الأفعل قد يرد على غير إرادة المبالغة ، ومنه قول القائل : قبحتم بآل زيد نفرا * ألام قوم أصغرا وأكبرا وكذلك قالوا : قول القائل : اللّه أكبر ، ليس المراد به تعرضا لمفاضلة ومبالغة ، بل المراد به اللّه الكبير . وكذلك المراد بقوله : وهو أهون عليه ، أي وهو هين عليه . وهذا الذي ذكروه خروج منهم عن مقصدنا ، وإعراض عما رمناه . وذلك أنا لم نقل الأجسم ينبئ عن التفاضل لبناء به ، بل قلنا : إنهم يطلقونه على إرادة المبالغة ، ويقولون في الشخصين اللذين اختص أحدهما بالبدانة والعبالة ، والثاني بالنحول : هذا أجسم من هذا ، وذلك ما لا سبيل إلى إنكاره . فلا يخلص الخصم عن ذلك تصويره بناء في غير المبالغة بعد ما وضح إرادة المبالغة . على أنا لو رددنا إلى قياس الأبنية ، لما كان ما قالوه منافرا لما أبديناه . فإن الأفعل إذا استعمل مع من ، أنبأ عن مبالغة لا محالة ، ولو قدر مفصولا عن من ، مجردا عنها ، لا نقسم بعد ذلك مذاهبه ، والأغلب عليه مبالغة . والذي استدللنا به مقرون بمن . ومما يحاولون به قدحا أن قالوا : لو صح ما قلتموه ، لصح إطلاق الأجسم في الجمادات صحته في الحيوانات ، فإن التفاضل في كثرة الأجزاء والتأليفات يتحقق في الجمادات ، تحققه في الحيوانات . وهذا الذي ذكروه من أظهر آيات الجهل بمذاهب اللغات ، فإن أصول الاشتقاقات لا يجب طردها . وقد يشذ منها بعض المسميات ، وقد يختص الاسم في عموم الاستعمال وعليه العرف ببعض المسميات ، وإن اقتضى أصل الوضع والاشتقاق عدم الاختصاص . والذي يوضح ذلك قطعنا أن الدابة مشتقة من الدبيب ، وموضع الاشتقاق يتضمن تسمية كل من دبّ ودرج دابة أو دابا ، ولكن غلب الاستعمال في بعض الأشياء ، وأمثال ذلك